فصل: تفسير الآية رقم (9)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التحرير والتنوير المسمى بـ «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»***


تفسير الآيات رقم ‏[‏97- 99‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ‏(‏97‏)‏ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ ‏(‏98‏)‏ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ‏(‏99‏)‏‏}‏

لما كان الوعيد مؤذناً بإمهالهم قليلاً كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ومهّلهم قليلا‏}‏ ‏[‏سورة المزمل‏:‏ 11‏]‏ كما دلّ عليه حرف التنفيس في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فسوف يعلمون‏}‏ ‏[‏سورة الحجر‏:‏ 96‏]‏ طمأن الله نبيه بأنه مطّلع على تحرّجه من أذاهم وبهتانهم من أقوال الشرك وأقوال الاستهزاء فأمره بالثبات والتفويض إلى ربّه لأن الحكمة في إمهالهم، ولذلك افتتحت الجملة بلام القسم وحرف التحقيق‏.‏

وليس المخاطب ممن يداخله الشكّ في خبر الله تعالى ولكن التحقيق كناية عن الاهتمام بالمخبر وأنه بمحل العناية من الله؛ فالجملة معطوفة على جملة ‏{‏إنا كفيناك المستهزئين‏}‏ ‏[‏سورة الحجر‏:‏ 95‏]‏ أو حال‏.‏

وضيق الصدر‏:‏ مجاز عن كدر النفس‏.‏ وقد تقدّم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وضائق به صدرك‏}‏ في سورة هود ‏(‏12‏)‏‏.‏

وفرع على جملة ولقد نعلم‏}‏ أمره بتسبيح الله تعالى وتنزيهه عمّا يقولونه من نسبة الشريك، أي عليك بتنزيه ربّك فلا يضرّك شركهم‏.‏ على أن التسبيح قد يستعمل في معناه الكنائي مع معناه الأصلي فيفيد الإنكار على المشركين فيما يقولون، أي فاقتصر في دفعهم على إنكار كلامهم‏.‏ وهذا مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً‏}‏ ‏[‏سورة الإسراء‏:‏ 93‏]‏‏.‏

والباء في بحمد ربك‏}‏ للمصاحبة‏.‏ والتقدير‏:‏ فسبح ربّك بحمده؛ فحُذف من الأول لدلالة الثاني‏.‏ وتسبيح الله تنزيهه بقول‏:‏ سُبحان الله‏.‏

والأمر في ‏{‏وكن من الساجدين واعبد ربك‏}‏ مستعملان في طلب الدّوام‏.‏

و ‏{‏من الساجدين‏}‏ أبلغ في الاتّصاف بالسجود من ‏(‏ساجداً‏)‏ كما تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكونوا مع الصادقين‏}‏ في سورة براءة ‏(‏119‏)‏، وقوله ‏{‏قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏67‏)‏ ونظائرهما‏.‏

والساجدون‏:‏ هم المصلّون‏.‏ فالمعنى‏:‏ ودم على الصلاة أنتَ ومن معكَ‏.‏

وليس هذا موضع سجدة من سجود التلاوة عند أحد من فقهاء المسلمين‏.‏ وفي تفسير القرطبي‏}‏ عن أبي بكر النقاش أن أبا حُذيفة ‏(‏لعلّه يعني به أبا حذيفة اليمان بن المغيرة البصري من أصحاب عكرمة وكان منكر الحديث‏)‏ واليمان بن رئاب ‏(‏كذا‏)‏ رأياها سجدةَ تلاوة واجبة‏.‏

قال ابن العربي‏:‏ شاهدت الإمام بمحراب زكرياء من البيت المقدس سجد في هذا الموضع حين قراءته في تراويح رمضان وسجدتُ معه فيها‏.‏ وسجود الإمام عجيب وسجود أبي بكر بن العربي معه أعجب للإجماع؛ على أنه لا سجدة هنا، فالسجود فيها يعدّ زيادة وهي بدعة لا محالة‏.‏

و ‏{‏اليقين‏}‏‏:‏ المقطوع به الذي لا شكّ فيه وهو النصر الذي وعده الله به‏.‏

سورة النحل

تفسير الآية رقم ‏[‏1‏]‏

‏{‏أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏1‏)‏‏}‏

‏{‏أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ‏}‏‏.‏

لمّا كان معظم أغراض هذه السورة زجر المشركين عن الإشراك وتوابعه وإنذارهم بسوء عاقبة ذلك، وكان قد تكرّر وعيدهم من قبل في آيات كثيرة بيوم يكون الفارقَ بين الحق والباطل فتزول فيه شوكتهم وتذهب شدّتهم‏.‏ وكانوا قد استبطأوا ذلك اليوم حتى اطمأنوا أنه غير واقع فصاروا يهزأون بالنبي عليه الصلاة والسلام والمسلمين فيستعجلون حلول ذلك اليوم‏.‏

صدّرت السورة بالوعيد المصوغ في صورة الخبر بأن قد حلّ ذلك المتوعد به‏.‏ فجيء بالماضي المراد به المستقبل المحققُ الوقوع بقرينة تفريع ‏{‏فلا تستعجلوه‏}‏، لأن النهي عن استعجال حلول ذلك اليوم يقتضي أنه لما يحل بعد‏.‏

والأمر‏:‏ مصدر بمعنى المفعول، كالوعد بمعنى الموعود، أي ما أمر الله به‏.‏ والمرادُ من الأمر به تقديره وإرادة حصوله في الأجل المسمّى الذي تقتضيه الحكمة‏.‏

وفي التعبير عنه بأمر الله إبهام يفيد تهويله وعظمته لإضافته لمن لا يعظم عليه شيء‏.‏ وقد عبّر عنه تارات بوعد الله ومرّات بأجل الله ونحو ذلك‏.‏

والخطاب للمشركين ابتداء لأن استعجال العذاب من خصالهم، قال تعالى‏:‏ ‏{‏ويستعجلونك بالعذاب‏}‏ ‏[‏سورة الحج‏:‏ 47‏]‏ ويجوز أن يكون شاملاً للمؤمنين لأن عذاب الله وإن كان الكافرون يستعجلون به تهكّماً لظنّهم أنه غير آتتٍ، فإن المؤمنين يضمرون في نفوسهم استبطاءه ويحبّون تعجيله للكافرين‏.‏

فجملة فلا تستعجلوه‏}‏ تفريع على ‏{‏أتى أمر الله‏}‏ وهي من المقصود بالإنذار‏.‏

والاستعجال‏:‏ طلب تعجيل حصول شيء، فمفعوله هو الذي يقع التعجيل به‏.‏ ويتعدّى الفعل إلى أكثر من واحد بالباء فقالوا‏:‏ استعجل بكذا‏.‏ وقد مضى في سورة الأنعام ‏(‏57‏)‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما عندي ما تستعجلون به‏}‏ فضمير تستعجلوه‏}‏ إما عائد إلى الله تعالى، أي فلا تستعجلوا الله‏.‏ وحذف المتعلق ب ‏{‏تستعجلوه‏}‏ لدلالة قوله‏:‏ ‏{‏أتى أمر الله‏}‏ عليه‏.‏ والتقدير فلا تستعجلوا الله بأمره، على نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏سأريكم آياتي فلا تستعجلون‏}‏ ‏[‏سورة الأنبياء‏:‏ 37‏]‏‏.‏

وقيل الضمير عائد إلى أمر ‏{‏الله‏}‏، وعليه تكون تعدية فعل الاستعجال إليه على نزع الخافض‏.‏

والمراد من النهي هنا دقيق لم يذكروه في موارد صيغ النهي‏.‏ ويجدر أن يكون للتسوية كما ترد صيغة الأمر للتسوية، أي لا جدوى في استعجاله لأنه لا يعجّل قبل وقته المؤجّل له‏.‏

مستأنفة استئنافاً ابتدائياً لأنها المقصود من الوعيد، إذ الوعيد والزّجر إنما كانا لأجل إبطال الإشراك، فكانت جملة ‏{‏أتى أمر الله‏}‏ كالمقدمة، وجملة ‏{‏سبحانه وتعالى عما يشركون‏}‏ كالمقصد‏.‏

و ‏(‏ما‏)‏ في قوله‏:‏ ‏{‏عما يشركون‏}‏ مصدرية، أي عن إشراكهم غيره معه‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏يشركون‏}‏ بالتحتية على طريقة الالتفات، فعدل عن الخطاب ليختص التبرؤ من شأنهم أن ينزلوا عن شرف الخطاب إلى الغيبة‏.‏

وقرأه حمزة والكسائي بالمثناة الفوقية تبعاً لقوله‏:‏ ‏{‏فلا تستعجلوه‏}‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏2‏]‏

‏{‏يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ ‏(‏2‏)‏‏}‏

كان استعجالُهم بالعذاب استهزاءً بالرسول صلى الله عليه وسلم وتكذيبه، وكان ناشئاً عن عقيدة الإشراك التي من أصولها استحالة إرسال الرسل من البشر‏.‏

وأُتبع تحقيق مجيء العذاب بتنزيه الله عن الشريك فقفّي ذلك بتبرئة الرسول عليه الصلاة والسلام من الكذب فيما يبلغه عن ربّه ووصف لهم الإرسال وصفاً موجزاً‏.‏ وهذا اعتراض في أثناء الاستدلال على التوحيد‏.‏

والمراد بالملائكة الواحد منهم وهو جبرئيل عليه السلام‏.‏

والروح‏:‏ الوحي‏.‏ أطلق عليه اسم الروح على وجه الاستعارة لأن الوحي به هدي العقول إلى الحقّ، فشبّه الوحي بالروح كما يشبّه العلم الحقّ بالحياة، وكما يشبّه الجهل بالموت قال تعالى‏:‏ ‏{‏أومن كان ميتاً فأحييناه‏}‏ ‏[‏سورة الأنعام‏:‏ 122‏]‏‏.‏

ووجه تشبيه الوحي بالروح أن الوحي إذا وعته العقول حلّت بها الحياة المعنوية وهو العلم، كما أن الروح إذا حلّ في الجسم حلّت به الحياة الحسيّة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا‏}‏ ‏[‏سورة الشورى‏:‏ 52‏]‏‏.‏

ومعنى من أمره‏}‏ الجنس، أي من أموره، وهي شؤونه ومقدراته التي استأثر بها‏.‏ وذلك وجه إضافته إلى الله كما هنا وكما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يحفظونه من أمر الله‏}‏ ‏[‏سورة الرعد‏:‏ 11‏]‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل الروح من أمر ربي‏}‏ ‏[‏سورة الإسراء‏:‏ 85‏]‏ لما تفيده الإضافة من التخصيص‏.‏

وقرأ الجمهور ينزل‏}‏ بياء تحتية مضمومة وفتح النون وتشديد الزاي مكسورة‏.‏ وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب بسكون النون وتخفيف الزاي مكسورة، و‏{‏الملائكة‏}‏ منصوباً‏.‏

وقرأه روح عن يعقوب بتاء فوقية مفتوحة وفتح النون وتشديد الزاي مفتوحة ورفع ‏{‏الملائكة‏}‏ على أن أصله تتنزل‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏على من يشاء من عباده‏}‏ رد على فنون من تكذيبهم؛ فقد قالوا‏:‏ ‏{‏لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم‏}‏ ‏[‏سورة الزخرف‏:‏ 31‏]‏ وقالوا‏:‏ ‏{‏فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب‏}‏ ‏[‏سورة الزخرف‏:‏ 53‏]‏ أي كان ملكاً، وقالوا‏:‏ ‏{‏ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق‏}‏ ‏[‏سورة الفرقان‏:‏ 7‏]‏‏.‏ ومشيئة الله جارية على وفق حكمته، قال تعالى‏:‏ ‏{‏الله أعلم حيث يجعل رسالته‏}‏ ‏[‏سورة الأنعام‏:‏ 124‏]‏‏.‏

وأن أنذروا‏}‏ تفسير لفعل ‏{‏ينزل‏}‏ لأنه في تقدير ينزل الملائكة بالوحي‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بالروح من أمره على من يشاء من عباده‏}‏ اعتراض واستطراد بين فعل ‏{‏ينزل‏}‏ ومفسره‏.‏

و ‏{‏أنه لا إله إلا أنا‏}‏ متعلق ب ‏{‏أنذروا‏}‏ على حذف حرف الجر حذفاً مطرداً مع ‏(‏أنّ‏)‏‏.‏ والتقدير‏:‏ أنذروا بأنه لا إله إلا أنا‏.‏ والضمير المنصوب ب ‏(‏أنّ‏)‏ ضمير الشأن‏.‏ ولما كان هذا الخبر مسوقاً للذين اتّخذوا مع الله آلهة أخرى وكان ذلك ضلالاً يستحقون عليه العقاب جعل إخبارهم بضدّ اعتقادهم وتحذيرهم مما هم فيه إنذاراً‏.‏

وفرع عليه ‏{‏فاتقون‏}‏ وهو أمر بالتقوى الشاملة لجميع الشريعة‏.‏

وقد أحاطت جملة ‏{‏أن أنذروا‏}‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاتقون‏}‏ بالشريعة كلها، لأن جملة ‏{‏أنذروا أنه لا إله إلا أنا‏}‏ تنبيه على ما يرجع من الشريعة إلى إصلاح الاعتقاد وهو الأمر بكمال القوة العقلية‏.‏

وجملة ‏{‏فاتقون‏}‏ تنبيه على الاجتناب والامتثال اللذين هما منتهى كمال القوة العملية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏3‏]‏

‏{‏خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏3‏)‏‏}‏

استئناف بياني ناشئ عن قوله‏:‏ ‏{‏سبحانه وتعالى عما يشركون‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 1‏]‏ لأنهم إذا سمعوا ذلك ترقّبوا دليل تنزيه الله عن أن يكون له شركاء‏.‏ فابتدئ بالدلالة على اختصاصه بالخلق والتقدير؛ وذلك دليل على أن ما يخلق لا يوصف بالإلهية كما أنبأ عنه التفّريع عقب هذه الأدلّة بقوله الآتي ‏{‏أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 17‏]‏‏.‏

وأعقب قوله‏:‏ سبحانه‏}‏ بقوله‏:‏ ‏{‏وتعالى عما يشركون‏}‏ تحقيقاً لنتيجة الدليل، كما يذكر المطلوب قبل ذكر القياس في صناعة المنطق ثم يذكر ذلك المطلوب عقب القياس في صورة النتيجة تحقيقاً للوحدانية، لأن الضلال فيها هو أصل انتقاض عقائد أهل الشرك، ولأن إشراكهم هو الذي حداهم إلى إنكار نبوءة من جاء ينهاهم عن الشرك فلا جرم كان الاعتناء بإثبات الوحدانية وإبطال الشرك مقدماً على إثبات صدق الرسول عليه الصلاة والسلام المُبدأ به في أول السورة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ينزل الملائكة بالروح من أمره‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 2‏]‏‏.‏

وعُددت دلائل من الخلق كلها متضمنة نعماً جمّة على الناس إدماجاً للامتنان بنعم الله عليهم وتعريضاً بأن المنعم عليهم الذين عبدوا غيره قد كفروا نعمته عليهم؛ إذ شكروا ما لم يُنعم عليهم ونسوا من انفرد بالإنعام، وذلك أعظم الكفران، كما دلّ على ذلك عطف ‏{‏وإن تعدوا نعمة الله لا تُحصوها‏}‏ ‏[‏سورة إبراهيم‏:‏ 34‏]‏ على جملة ‏{‏أفمن يخلق كمن لا يخلق‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 17‏]‏‏.‏

والاستدلال بخلق السماوات والأرض أكبر من سائر الأدلّة وأجمع لأنها محوية لهما، ولأنهما من أعظم الموجودات، فلذلك ابتدئ بهما، لكن ما فيه من إجمال المَحويات اقتضى أن يعقّب بالاستدلال بأصناف الخلق والمخلوقات فثنّي بخلق الإنسان وأطواره وهو أعجب الموجودات المشاهدة، ثم بخلق الحيوان وأحواله لأنه يجمع الأنواع التي تلي الإنسان في إتقان الصنع مع ما في أنواعها من المنن، ثم بخلق ما به حياة الإنسان والحيوان وهو الماء والنبات، ثم بخلق أسباب الأزمنة والفصول والمواقيت، ثم بخلق المعادن الأرضية، وانتقل إلى الاستدلال بخلق البحار ثم بخلق الجبال والأنهار والطرقات وعلامات الاهتداء في السير‏.‏ وسيأتي تفصيله‏.‏

والباء في قوله‏:‏ بالحق‏}‏ للملابسة‏.‏ وهي متعلقة ب ‏{‏خلق‏}‏ إذ الخلق هو الملابس للحقّ‏.‏

والحقّ‏:‏ هنا ضد العبث، فهو هنا بمعنى الحكمة والجدّ؛ ألا ترى إلى قوله ‏{‏وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق‏}‏ ‏[‏سورة الأنبياء‏:‏ 16‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً‏}‏ ‏[‏سورة ص‏:‏ 27‏]‏‏.‏ والحقّ والصدق يطلقان وصفين لكمال الشيء في نوعه‏.‏

وجملة تعالى عما يشركون‏}‏ معترضة‏.‏

وقرأ حمزة والكسائي وخلف ‏{‏تعالى عما تشركون‏}‏ بمثناة فوقية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏4‏]‏

‏{‏خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ‏(‏4‏)‏‏}‏

استئناف بياني أيضاً‏.‏ وهو استدلال آخر على انفراده تعالى بالإلهية ووحدانيته فيها‏.‏ وذلك أنه بعد أن استدلّ عليهم بخلق العوالم العُليا والسفلى وهي مشاهدة لديهم انتقل إلى الاستدلال عليهم بخلق أنفسهم المعلوم لهم‏.‏ وأيضاً لما استدلّ على وحدانيته بخلق أعظم الأشياء المعلومة لهم استدلّ عليهم أيضاً بخلق أعجب الأشياء للمتأمّل وهو الإنسان في طَرْفَيْ أطواره من كونه نطفة مهينة إلى كونه عاقلاً فصيحاً مبيناً بمقاصده وعلومه‏.‏

وتعريف ‏{‏الإنسان‏}‏ للعهد الذهني، وهو تعريف الجنس، أي خلق الجنس المعلوم الذي تَدْعونه بالإنسان‏.‏

وقد ذُكر للاعتبار بخلق الإنسان ثلاثة اعتبارات‏:‏ جنسُه المعلومُ بماهيته وخواصه من الحيوانية والناطقية وحسن القوام، وبقيةُ أحوال كونه، ومبدأ خلقه وهو النطفة التي هي أمهن شيء نشأ منها أشرف نوع، ومنتهى ما شرفه به وهو العقل‏.‏ وذلك في جملتين وشبه جملة ‏{‏خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين‏}‏‏.‏

والخصيم من صيغ المبالغة، أي كثير الخصام‏.‏

و ‏{‏مبين‏}‏ خبر ثاننٍ عن ضمير ‏{‏فإذا هو‏}‏، أي فإذا هو متكلم مُفصح عما في ضميره ومُراده بالحقّ أو بالباطل والمنطق بأنواع الحجّة حتى السفسطة‏.‏

والمراد‏:‏ الخصام في إثبات الشركاء، وإبطال الوحدانية، وتكذيب من يَدْعون إلى التوحيد، كما دل عليه قوله تعالى في سورة يس ‏(‏77، 78‏)‏‏:‏ ‏{‏أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم‏}‏ ‏[‏سورة الحجر‏:‏ 77 78‏]‏‏.‏

والإتيان بحرف ‏(‏إذا‏)‏ المفاجأة استعارةٌ تبعية‏.‏ استعير الحرف الدال على معنى المفاجأة لمعنى ترتّب الشيء على غير ما يظن أن يترتبَ عليه‏.‏ وهذا معنى لم يُوضع له حرف‏.‏ ولا مفاجأةَ بالحقيقة هنا لأن الله لم يفجأه ذلك ولا فَجَأ أحداً، ولكن المعنى أنّه بحيث لو تدبر النّاظر في خلق الإنسان لترقب منه الاعتراف بوحدانية خالقه وبقدرته على إعادة خلقه، فإذا سمع منه الإشراك والمجادلة في إبطال الوحدانية وفي إنكار البعث كان كمن فجأة ذلك‏.‏ ولما كان حرف المفاجأة يدل على حصول الفَجْأة للمتكلم به تعيّن أن تكون المفاجأة استعارة تبعية‏.‏

فإقحام حرف المفاجأة جعل الكلام مفهماً أمرين هما‏:‏ التعجيب من تطوّر الإنسان من أمهن حالة إلى أبدع حالة وهي حالة الخصومة والإبانة الناشئتين عن التفكير والتعقل، والدلالة على كفرانه النعمة وصرفه ما أنعم به عليه في عصيان المنعِم عليه‏.‏ فالجملة في حدّ ذاتها تنويه، وبضميمة حرف المفاجأة أدمجت مع التنويه التعجيب‏.‏ ولو قيل‏:‏ فهو خصيم أو فكان خصيماً لم يحصل هذا المعنى البليغ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 7‏]‏

‏{‏وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ‏(‏5‏)‏ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ‏(‏6‏)‏ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏7‏)‏‏}‏

يجوز أن يعطف ‏{‏الأنعام‏}‏ عطف المفرد على المفرد عطفاً على ‏{‏الإنسان‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 4‏]‏، أي خلق الإنسان من نطفة والأنعامَ، وهي أيضاً مخلوقة من نطفة، فيحصل اعتبار بهذا التكوين العجيب لشبهه بتكوين الإنسان، وتكون جملة خلقها‏}‏ بمتعلقاتها مستأنفة، فيحصل بذلك الامتنان‏.‏

ويجوز أن يكون عطف الجملة على الجملة، فيكون نصب ‏{‏الأنعام‏}‏ بفعل مضمر يفسّره المذكور بعده على طريقة الاشتغال‏.‏ والتقدير‏:‏ وخلق الأنعام خلقها‏.‏ فيكون الكلام مفيداً للتأكيد لقصد تقوية الحكم اهتماماً بما في الأنعام من الفوائد؛ فيكون امتناناً على المخاطبين، وتعريضاً بهم، فإنهم كفروا نعمة الله بخلقها فجعلوا من نتاجها لشركائهم وجعلوا لله نصيباً‏.‏ وأي كفران أعظم من أن يتقرّب بالمخلوقات إلى غير من خلقها‏.‏ وليس في الكلام حصر على كلا التقديرين‏.‏

وجملة ‏{‏لكم فيها دفء‏}‏ في موضع الحال من الضمير المنصوب في ‏{‏خلقها‏}‏ على كلا التقديرين؛ إلا أن الوجه الأول تمام مقابلة لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 4‏]‏ من حيث حصول الاعتبار ابتداء ثم التعريض بالكفران ثانياً، بخلاف الوجه الثاني فإن صريحه الامتنان، ويحصل الاعتبار بطريق الكناية من الاهتمام‏.‏

والمقصود من الاستدلال هو قوله تعالى‏:‏ والأنعام خلقها‏}‏ وما بعده إدماج للامتنان‏.‏

و ‏{‏الأنعام‏}‏‏:‏ الإبل، والبقر، والغنم، والمعز‏.‏ وتقدم في سورة الأنعام‏.‏ وأشهر الأنعام عند العرب الإبل، ولذلك يغلب أن يطلق لفظ الأنعام عندهم على الإبل‏.‏

والخطاب صالح لشمول المشركين، وهم المقصود ابتداء من الاستدلال، وأن يشمل جميع الناس ولا سيما فيما تضمّنه الكلام من الامتنان‏.‏

وفيه التفات من طريق الغيبة الذي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عما يشركون‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 3‏]‏ باعتبار بعض المخاطبين‏.‏

والدِّفء بكسر الدال اسم لما يتدفّأ به كالمِلْء والحِمْل‏.‏ وهو الثياب المنسوجة من أوبار الأنعام وأصوافها وأشعارها تتّخذ منها الخيام والملابس‏.‏

فلمّا كانت تلك مادة النسج جعل المنسوج كأنه مظروف في الأنعام‏.‏

وخص الدفء بالذكر من بين عموم المنافع للعناية به‏.‏

وعطف منافع‏}‏ على ‏{‏دفء‏}‏ من عطف العام على الخاص لأن أمر الدفء قلّما تستحضره الخواطر‏.‏

ثم عطف الأكلُ منها لأنه من ذواتها لا من ثمراتها‏.‏

وجملة ‏{‏ولكم فيها جمال‏}‏ عطف على جملة ‏{‏لكم فيها دفء‏}‏‏.‏

وجملة ‏{‏ومنها تأكلون‏}‏ عطف على جملة ‏{‏لكم فيها دفء‏}‏‏.‏ وهذا امتنان بنعمة تسخيرها للأكل منها والتغذي، واسترداد القوة لما يحصل من تغذيتها‏.‏

وتقديم المجرور في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومنها تأكلون‏}‏ للاهتمام، لأنهم شديدو الرغبة في أكل اللحوم، وللرعاية على الفاصلة‏.‏ والإتيان بالمضارع في ‏{‏تأكلون‏}‏ لأن ذلك من الأعمال المتكررة‏.‏

والإراحة‏:‏ فعل الرواح، وهو الرجوع إلى المعاطن، يقال‏:‏ أراح نعمهُ إذا أعادها بعد السروح‏.‏

والسروح‏:‏ الإسامة، أي الغدُوّ بها إلى المراعي‏.‏ يقال‏:‏ سَرَحها بتخفيف الراء سَرحاً وسُروحاً، وسرّحها بتشديد الراء تسريحاً‏.‏

وتقديم الإراحة على التسريح لأن الجمال عند الإراحة أقوى وأبهج، لأنها تقبل حينئذٍ مَلأى البطون حافلة الضروع مَرحة بمسرّة الشبع ومحبّة الرجوع إلى منازلها من معاطن ومرابض‏.‏

والإتيان بالمضارع في ‏{‏تريحون‏}‏ و‏{‏تسرحون‏}‏ لأن ذلك من الأحوال المتكررة‏.‏ وفي تكررها تكرر النعمة بمناظرها‏.‏

وجملة ‏{‏وتحمل أثقالكم‏}‏ معطوفة على ‏{‏ولكم فيها جمال‏}‏ فهي في موضع الحال أيضاً‏.‏ والضمير عائد إلى أشهر الأنعام عندهم وهي الإبل، كقولها في قصّة أم زرع «رَكب شَرياً وأخذَ خطيّاً فأراح علي نعماً ثرياً»، فإن النعم التي تؤخذ بالرمح هي الإبل لأنها تؤخذ بالغارة‏.‏

وضمير ‏{‏وتحمل‏}‏ عائد إلى بعض الأنعام بالقرينة‏.‏ واختيار الفعل المضارع بتكرر ذلك الفعل‏.‏

والأثقال‏:‏ جمع ثَقَل بفتحتين وهو ما يثقل على الناس حمله بأنفسهم‏.‏

والمراد ب ‏{‏بلد‏}‏ جنس البلد الذي يرتحلون إليه كالشام واليمن بالنسبة إلى أهل الحجاز، ومنهم أهل مكة في رحلة الصيف والشتاء والرحلة إلى الحجّ‏.‏

وقد أفاد ‏{‏وتحمل أثقالكم‏}‏ معنى تحملكم وتبلغكم، بطريقة الكناية القريبة من التصريح‏.‏ ولذلك عقب بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس‏}‏‏.‏

وجملة ‏{‏لم تكونوا بالغيه‏}‏ صفة ل ‏{‏بلد‏}‏، وهي مفيدة معنى البعد، لأن بلوغ المسافر إلى بلد بمشقّة هو من شأن البلد البعيد، أي لا تبلغونه بدون الأنعام الحاملة أثقالكم‏.‏

والشِّقّ بكسر الشين في قراءة الجمهور‏:‏ المشقة‏.‏ والباء للملابسة‏.‏ والمشقة‏:‏ التعب الشّديد‏.‏

وما بعد أداة الاستثناء مستثنى من أحوال لضمير المخاطبين‏.‏

وقرأ أبو جعفر ‏{‏إلا بشق الأنفس‏}‏ بفتح الشين وهو لغة في الشِق المكسور الشين‏.‏

وقد نفت الجملة أن يكونوا بالغيه إلا بمشقّة، فأفاد ظاهرها أنهم كانوا يبلغونه بدون الرواحل بمشقّة وليس مقصوداً، إذ كان الحمل على الأنعام مقارناً للأسفار بالانتقال إلى البلاد البعيدة، بل المراد‏:‏ لم تكونوا بالغيه لولا الإبل أو بدون الإبل، فحذف لقرينة السياق‏.‏

وجملة ‏{‏إن بكم لرؤوف رحيم‏}‏ تعليل لجملة ‏{‏والأنعام خلقها‏}‏، أي خلقها لهذه المنافع لأنه رؤوف رحيم بكم‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً‏}‏‏.‏

والخيل معطوف على ‏{‏والأنعام خلقها‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 5‏]‏‏.‏ فالتقدير‏:‏ وخلق الخيل‏.‏

والقول في مناط الاستدلال وما بعده من الامتنان والعبرة في كلّ كالقول فيما تقدّم من قوله تعالى‏:‏ والأنعام خلقها لكم فيها دفء‏}‏ الآيةً‏.‏

والفعل المحذوف يتعلق به ‏{‏لتركبوها وزينة‏}‏، أي خلقها الله لتكون مراكب للبشر، ولولا ذلك لم تكن في وجودها فائدة لعمران العالم‏.‏

وعطف ‏{‏وزينة‏}‏ بالنصب عطفاً على شبه الجملة في ‏{‏لتركبوها‏}‏، فجُنّب قرنه بلام التعليل من أجل توفر شرط انتصابه على المفعولية لأجله، لأن فاعله وفاعلَ عامله واحد، فإن عامله فعلُ ‏{‏خلق‏}‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والأنعام خلقها‏}‏ إلى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والخيل والبغال‏}‏ فذلك كله مفعول به لفعل ‏{‏خلقها‏}‏‏.‏

ولا مرية في أن فاعل جَعْلها زينة هو الله تعالى، لأن المقصود أنها في ذاتها زينة، أي خلقها تزين الأرض، أو زين بها الأرض، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد زيّنا السماء الدنيا بمصابيح‏}‏ ‏[‏سورة الملك‏:‏ 5‏]‏‏.‏

وهذا النصب أوضح دليل على أن المفعول لأجله منصوب على تقدير لام التعليل‏.‏

وهذا واقع موقع الامتنان فكان مقتصراً على ما ينتفع به المخاطبون الأولون في عادتهم‏.‏

وقد اقتصر على منّة الركوب على الخيل والبغال والحمير والزينة، ولم يذكر الحمل عليها كما قال في شأن الأنعام ‏{‏وتحمل أثقالكم‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 7‏]‏، لأنهم لم تكن من عادتهم الحمل على الخيل والبغال والحمير، فإن الخيل كانت تركب للغزو وللصيد، والبغال تركب للمشي والغزو‏.‏ والحمير تركب للتنقل في القرى وشبهها‏.‏

وفي حديث البخاري عن ابن عباس في حجّة الوداع أنه قال جئت على حمار أتان ورسول الله يصلي بالناس الحديث‏.‏

وكان أبو سَيارة يجيز بالناس من عرفة في الجاهلية على حمار وقال فيه‏:‏

خلوا السبيل عن أبي سياره *** وعن مواليه بني فزاره

حتى يجيز راكباً حماره *** مستقبل الكعبة يدعو جاره

فلا يتعلق الامتنان بنعمة غير مستعملة عند المنعم عليهم، وإن كان الشيء المنعم به قد تكون له منافع لا يقصدها المخاطبون مثل الحَرث بالإبل والخيل والبغال والحمير، وهو مما يفعله المسلمون ولا يعرف منكر عليهم‏.‏

أو منافع لم يتفطن لها المخاطبون مثل ما ظهر من منافع الأدوية في الحيوان مما لم يكن معروفاً للناس من قبلُ، فيدخل كل ذلك في عموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏29‏)‏، فإنه عموم في الذوات يستلزم عموم الأحوال عدا ما خصّصه الدليل مما في آية الأنعام ‏(‏145‏)‏ ‏{‏قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه‏}‏ الآية‏.‏

وبهذا يعلم أن لا دليل في هذه الآية على تحريم أكل لحوم الخيل والبغال والحمير لأن أكلها نادر الخطور بالبال لقلّته، وكيف وقد أكل المسلمون لحوم الحمر في غزوة خيبر بدون أن يستأذنوا النبي كانوا في حالة اضطرار، وآية سورة النحل يومئذٍ مقروءة منذ سنين كثيرة فلم ينكر عليهم أحد ولا أنكره النبي‏.‏

كما جاء في الصحيح‏:‏ أنه أتي فقيل له‏:‏ أُكِلت الحمر، فسكت، ثم أتي فقيل‏:‏ أكلت الحمر فسكت‏.‏ ثم أتي فقيل‏:‏ أفنيت الحمر فنادى منادي النبي أن الله ورسوله ينهيانكم عن أكل لحوم الحمر‏.‏ فأهرقت القدور‏.‏

وأن الخيل والبغال والحمير سواء في أن الآية لا تشمل حكم أكلها‏.‏ فالمصير في جواز أكلها ومنعه إلى أدلّة أخرى‏.‏

فأما الخيل والبغال ففي جواز أكلها خلاف قوي بين أهل العلم، وجمهورهم أباحوا أكلها‏.‏ وهو قول الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والظاهري، وروي عن ابن مسعود وأسماء بنت أبي بكر وعطاء والزهري والنخعي وابن جبير‏.‏

وقال مالك وأبو حنيفة‏:‏ يحرم أكل لحوم الخيل، وروي عن ابن عباس‏.‏ واحتجّ بقوله تعالى‏:‏ لتركبوها وزينة‏}‏، ولو كانت مباحة الأكل لامتنّ بأكلها كما امتنّ في الأنعام بقوله‏:‏ ‏{‏ومنها تأكلون‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 5‏]‏‏.‏ وهو دليل لا ينهض بمفرده‏.‏ فيجاب عنه بما قرّرنا من جريان الكلام على مراعاة عادة المخاطبين به‏.‏ وقد ثبتت أحاديث كثيرة أن المسلمين أكلوا لحوم الخيل في زمن رسول الله وعلمه‏.‏ ولكنه كان نادراً في عادتهم‏.‏

وعن مالك رضي الله عنه رواية بكراهة لحوم الخيل واختار ذلك القرطبي‏.‏

وأما الحمير فقد ثبت أكل المسلمين لحومها يوم خيبر‏.‏ ثم نُهوا عن ذلك كما في الحديث المتقدم‏.‏ واختلف في محمل ذلك، فحملهُ الجمهور على التحريم لذات الحمير‏.‏ وحملهُ بعضهم على تأويل أنها كانت حمولتهم يومئذٍ فلو استرسلوا على أكلها لانقطعوا بذلك المكان فآبوا رجالاً ولم يستطيعوا حمل أمتعتهم‏.‏ وهذا رأي فريق من السلف‏.‏ وأخذ فريق من السّلف بظاهر النهي فقالوا بتحريم أكل لحوم الحمر الإنسية لأنها مورد النهي وأبقوا الوحشية على الإباحة الأصلية‏.‏ وهو قول جمهور الأيمة مالك وأبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهم وغيرهم‏.‏

وفي هذا إثبات حكم تعبدي في التفرقة وهو مما لا ينبغي المصير إليه في الاجتهاد إلا بنصّ لا يقبل التأويل كما بيّناه في كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية‏.‏

على أنه لا يعرف في الشريعة أن يحرّم صنف إنسي لنوع من الحيوان دون وحشيه‏.‏

وأما البغال فالجمهور على تحريمها‏.‏ فأما من قال بِحرمة أكل الخيل فلأن البغال صنف مركّب من نوين محرمين، فتعين أن يكون أكله حراماً‏.‏ ومن قال بإباحة أكل الخيل فلتغليب تحريم أحد النوعين المركب منهما وهو الحمير على تحليل النوع الآخر وهو الخيل‏.‏ وعن عطاء أنه رآها حلالاً‏.‏

والخيل‏:‏ اسم جمع لا واحد له من لفظه على الأصح‏.‏ وقد تقدّم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والخيل المسومة‏}‏ في سورة آل عمران ‏(‏14‏)‏‏.‏

‏{‏والبغال‏}‏‏:‏ جمع بَغل‏.‏ وهو اسم للذكر والأنثى من نوععٍ أمّه من الخيل وأبوه من الحمير‏.‏

وهو من الأنواع النادرة والمتولدة من نوعين‏.‏ وعكسه البرذون، ومن خصائص البغال عُقم أنثاها بحيث لا تلد‏.‏

و ‏{‏الحمير‏}‏‏:‏ جمع تكسير حمارٍ وقد يجمع على أحمرة وعلى حُمُر‏.‏ وهو غالب للذكر من النوع، وأما الأنثى فأتان‏.‏ وقد روعي في الجمع التغليب‏.‏

اعتراض في آخر الكلام أو في وسطه على ما سيأتي‏.‏

و ‏{‏يخلق‏}‏ مضارع مراد به زمن الحال لا الاستقبال، أي هو الآن يخلق ما لا تعلمون أيها الناس مما هو مخلوق لنفعهم وهم لا يشعرون به، فكما خلق لهم الأنعام والكراع خلق لهم ويخلق لهم خلائق أخرى لا يعلمونها الآن، فيدخل في ذلك ما هو غير معهود أو غير معلوم للمخاطبين وهو معلوم عند أمم أخرى كالفيل عند الحبشة والهنود، وما هو غير معلوم لأحد ثم يعلمه الناس من بعد مثل دواب الجهات القطبية كالفقمة والدُب الأبيض، ودواب القارة الأمريكية التي كانت مجهولة للناس في وقت نزول القرآن، فيكون المضارع مستعملاً في الحال للتجديد، أي هو خالق ويخلق‏.‏

ويدخل فيه كما قيل ما يخلقه الله من المخلوقات في الجنة، غير أن ذلك خاصّ بالمؤمنين، فالظاهر أنه غير مقصود من سياق الامتنان العام للناس المتوسّل به إلى إقامة الحجّة على كافري النعمة‏.‏

فالذي يظهر لي أن هذه الآية من معجزات القرآن الغيبية العلمية، وأنها إيماء إلى أن الله سيلهم البشر اختراع مراكب هي أجدى عليهم من الخيل والبغال والحمير، وتلك العجلات التي يركبها الواحد ويحركها برجليه وتسمى ‏(‏بسكلات‏)‏، وأرتال السكك الحديدية، والسيارات المسيّرة بمصفّى النفط وتسمى ‏(‏أطوموبيل‏)‏، ثم الطائرات التي تسير بالنفط المصفّى في الهواء‏.‏ فكل هذه مخلوقات نشأت في عصور متتابعة لم يكن يعلمها من كانوا قبل عصر وجود كل منها‏.‏

وإلهام الله الناس لاختراعها هو ملحق بخلق الله، فالله هو الذي ألهم المخترعين من البشر بما فطرهم عليه من الذكاء والعلم وبما تدرجوا في سلّم الحضارة واقتباس بعضهم من بعض إلى اختراعها، فهي بذلك مخلوقة لله تعالى لأن الكلّ من نعمته‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏

‏{‏وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ‏(‏9‏)‏‏}‏

جملة معترضة‏.‏‏.‏ اقتضَتْ اعتراضَها مناسبة الامتنان بنعمة تيسير الأسفار بالرواحل والخيل والبغال والحمير‏.‏

فلما ذكرت نعمة تيسير السبيل الموصلة إلى المقاصد الجثمانية ارتُقِي إلى التذكير بسبيل الوصول إلى المقاصد الرُّوحانية وهو سبيل الهدى، فكان تعهّد الله بهذه السبيل نعمة أعظمَ من تيسير المسالك الجثمانية لأن سبيل الهدى تحصل به السعادة الأبدية‏.‏ وهذه السبيل هي موهبةُ العقل الإنساني الفارق بين الحقّ والباطل، وإرسال الرسل لدعوة الناس إلى الحقّ، وتذكيرهم بما يغفلون عنه، وإرشادهم إلى ما لا تصل إليه عقولهم أو تصل إليه بمشقّة على خطر من التورّط في بنيّات الطريق‏.‏

فالسبيل‏:‏ مجاز لما يأتيه الناس من الأعمال من حيث هي موصلة إلى دار الثواب أو دار العقاب، كما في قوله‏:‏ ‏{‏قل هذه سبيلي‏}‏ ‏[‏سورة يوسف‏:‏ 108‏]‏‏.‏ ويزيد هذه المناسبة بياناً أنه لما شرحت دلائل التوحيد ناسب التنبيه على أن ذلك طريق للهدى، وإزالة للعذر، وأن من بين الطرق التي يسلكها الناس طريق ضلال وجور‏.‏

وقد استعير لتعهّد الله بتبيين سبيل الهدى حرف على‏}‏ المستعار كثيراً في القرآن وكلام العرب لمعنى التعهّد، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن علينا للهدى‏}‏‏.‏ شبه التزام هذا البيان والتعهّد به بالحقّ الواجب على المحقوق به‏.‏

والقصد‏:‏ استقامة الطريق‏.‏ وقع هنا وصفاً للسبيل من قبيل الوصف بالمصدر، لأنه يقال‏:‏ طريق قاصد، أي مستقيم، وطريق قصد، وذلك أقوى في الوصف بالاستقامة كشأن الوصف بالمصادر، وإضافة ‏{‏قصد‏}‏ إلى ‏{‏السبيل‏}‏ من إضافة الصفة إلى الموصوف، وهي صفة مخصّصة لأن التعريف في ‏{‏السبيل‏}‏ للجنس‏.‏ ويتعين تقدير مضاف لأن الذي تعهّد الله به هو بيان السبيل لا ذات السبيل‏.‏

وضمير ‏{‏ومنها‏}‏ عائد إلى ‏{‏السبيل‏}‏ على اعتبار جواز تأنيثه‏.‏

و ‏{‏جائر‏}‏ وصف ل ‏{‏السبيل‏}‏ باعتبار استعماله مذكراً‏.‏ أي من جنس السبيل الذي منه أيضاً قصد سبيل جائر غير قَصْد‏.‏

والجائر‏:‏ هو الحائد عن الاستقامة‏.‏ وكنّي به عن طريق غير موصل إلى المقصود، أي إلى الخير، وهو المفضي إلى ضُرّ، فهو جائر بسالكه‏.‏ ووصفه بالجائر على طريقة المجاز العقلي‏.‏ ولم يضف السبيل الجائر إلى الله لأن سبيل الضلال اخترعها أهل الضلالة اختراعاً لا يشهد له العقل الذي فطر الله الناس عليه، وقد نهى الله الناس عن سلوكها‏.‏

وجملة ‏{‏ولو شاء لهداكم أجمعين‏}‏ تذييل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

استئناف لذكر دليل آخر من مظاهر بديع خلق الله تعالى أدمج فيه امتنان بما يأتي به ذلك الماء العجيب من المنافع للناس من نعمة الشراب ونعمة الطعام للحيوان الذي به قوام حياة الناس وللناس أنفسهم‏.‏

وصيغة تعريف المسند إليه والمسند أفادت الحصر، أي هُوَ لا غيرُه‏.‏ وهذا قصر على خلاف مقتضى الظاهر، لأن المخاطبين لا ينكرون ذلك ولا يدّعون له شريكاً في ذلك، ولكنهم لما عَبدوا أصناماً لم تنعم عليهم بذلك كان حالهم كحال من يدّعي أن الأصنام أنعمت عليهم بهذه النّعم، فنزلوا منزلة من يدّعي الشركة لله في الخلق، فكان القصر قصر إفراد تخريجاً للكلام على خلاف مقتضى الظاهر‏.‏

وإنزال الماء من السماء تقدم معناه عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏22‏)‏‏.‏

وذكرَ في الماء منّتين‏:‏ الشّراب منه، والإنبات للشجر والزّرع‏.‏

وجملة ‏{‏لكم منه شراب‏}‏ صفة ل ‏{‏ماء‏}‏، و‏{‏لكم‏}‏ متعلق ب ‏{‏شراب‏}‏ قدم عليه للاهتمام، و‏{‏منه‏}‏ خبر مقدم كذلك، وتقديمه سوّغ أن يكون المبتدأ نكرة‏.‏

والشراب‏:‏ اسم للمشروب، وهو المائع الذي تشتفّه الشفتان وتُبلغه إلى الحلق فيبلعَ دون مضغ‏.‏

و ‏(‏من‏)‏ تبعيضية‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومنه شجر‏}‏ نظير قوله‏:‏ ‏{‏منه شراب‏}‏‏.‏ وأعيد حرف ‏(‏من‏)‏ بعد واو العطف لأن حرف ‏(‏من‏)‏ هنا للابتداء، أو للسببية فلا يحسن عطف ‏{‏شجر‏}‏ على ‏{‏شراب‏}‏‏.‏

والشجرَ‏:‏ يطلق على النبات ذي الساق الصُلبة، ويطلق على مطلق العُشب والكلأ تغليباً‏.‏

وروعي هذا التغليب هنا لأنه غالب مرعى أنعام أهل الحجاز لقلة الكلأ في أرضهم، فهم يرعون الشعاري والغابات‏.‏ وفي حديث «ضالة الإبل تَشرب الماء وتَرعى الشجر حتى يأتيا ربّها»‏.‏ ومن الدقائق البلاغية الإتيان بحرف ‏(‏في‏)‏ الظرفية، فالإسامة فيه تكون بالأكل منه والأكل مما تحته من العشب‏.‏

والإسامة‏:‏ إطلاق الإبل للسّوْم وهو الرعي‏.‏ يقال‏:‏ سامت الماشية فهي سائمة وأسامها ربّها‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ‏(‏11‏)‏‏}‏

جملة ‏{‏ينبت‏}‏ حال من ضمير ‏{‏أنزل‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 10‏]‏، أي ينبت الله لكم‏.‏

وإنما لم يعطف هذا على جملة ‏{‏لكم منه شراب‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 10‏]‏ لأنّه ليس مما يحصل بنزول الماء وحده بل لا بدّ معه من زرع وغرس‏.‏

وهذا الإنبات من دلائل عظيم القدرة الربّانية، فالغرض منه الاستدلال ممزوجاً بالتذكير بالنّعمة، كما دلّ عليه قوله‏:‏ لكم‏}‏ على وزان ما تقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والأنعام خلقها لكم فيها دفء‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 5‏]‏ الآية، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والخيل والبغال والحمير لتركبوها‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 8‏]‏ الآية‏.‏

وأسند الإنبات إلى الله لأنه الملهم لأسبابه والخالق لأصوله تنبيهاً للناس على دفع غرورهم بقدرة أنفسهم، ولذلك قال‏:‏ إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون‏}‏ لكثرة ما تحت ذلك من الدقائق‏.‏

وذكر الزرع والزيتون وما معهما تقدم غير مرة في سورة الأنعام‏.‏

والتفكّر تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل هل يستوي الأعمى والبصيرأفلا تتفكرون‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏50‏)‏‏.‏

وإقحام لفظ قوم للدلالة على أن التفكّر من سجاياهم، كما تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لآيات لقوم يعقلون‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏164‏)‏‏.‏

ومن كل الثمرات‏}‏ عطف على ‏{‏الزرع والزيتون‏}‏، أي وينبت لكم به من كل الثمرات مما لم يذكر هنا‏.‏

والتعريف تعريف الجنس‏.‏ والمراد‏:‏ أجناس ثمرات الأرض التي ينبتها الماء، ولكل قوم من الناس ثمرات أرضهم وجَوّهم‏.‏ و‏{‏من‏}‏ تبعيضية قصد منها تنويع الامتنان على كل قوم بما نالهم من نعم الثمرات‏.‏ وإنما لم تدخل على الزرع وما عطف عليه لأنها من الثمرات التي تنبت في كل مكان‏.‏

وجملة ‏{‏إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون‏}‏ تذييل‏.‏

والآية‏:‏ الدلالة على أنه تعالى المبدع الحكيم‏.‏ وتلك هي إنبات أصناف مختلفة من ماء واحد، كما قال‏:‏ ‏{‏تسقى بماء واحد‏}‏ في سورة الرعد ‏(‏4‏)‏‏.‏

ونيطت دلالة هذه بوصف التفكير لأنها دلالة خفية لحصولها بالتدريج‏.‏ وهو تعريض بالمشركين الذين لم يهتدوا بما في ذلك من دلالة على تفرّد الله بالإلهية بأنهم قوم لا يتفكرون‏.‏

وقرأ الجمهور ‏{‏ينبت‏}‏ بياء الغيبة‏.‏ وقرأه أبو بكر عن عاصم بنون العظمة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

آيات أخرى على دقيق صنع الله تعالى وعلمه ممزوجة بامتنان‏.‏

وتقدم ما يفسّر هذه الآية في صدر سورة يونس‏.‏ وتسخير هذه الأشياء تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والشمس والقمر والنجوم مسخّرات بأمره ألا له الخلق والأمر‏}‏ في أوائل سورة الأعراف ‏(‏54‏)‏ وفي أوائل سورة الرعد وفي سورة إبراهيم‏.‏

وهذا انتقال للاستدلال بإتقان الصنع على وحدانية الصانع وعلمه، وإدماج بين الاستدلال والامتنان‏.‏ ونيطت الدلالات بوصف العقل لأن أصل العقل كاف في الاستدلال بها على الوحدانية والقدرة، إذ هي دلائل بيّنة واضحة حاصلة بالمشاهدة كل يوم وليلة‏.‏

وتقدم وجه إقحام لفظ ‏(‏قوم‏)‏ آنفاً، وأن الجملة تذييل‏.‏

وقرأ الجمهور جميع هذه الأسماء منصوبة على المفعولية لِفعل سخر‏.‏ وقرأ ابن عامر والشمسُ والقمرُ والنجومُ‏}‏ بالرفع على الابتداء ورفع ‏{‏مسخرات‏}‏ على أنه خبر عنها‏.‏ فنكتة اختلاف الإعراب الإشارة إلى الفرق بين التسخيرين‏.‏ وقرأ حفص برفع ‏{‏النجومُ‏}‏ و‏{‏مسخراتٌ‏}‏‏.‏ ونكتة اختلاف الأسلوب الفرق بين التسخيرين من حيث إن الأول واضح والآخر خفيّ لقلّة من يرقب حركات النجوم‏.‏

والمراد بأمره أمر التكوين للنظام الشمسي المعروف‏.‏

وقد أبدى الفخر في كتاب «درّة التنزيل» وجهاً للفرق بين إفراد آية في المرة الأولى والثالثة وبين جمع آيات في المرة الثانية‏:‏ بأن ما ذكر أول وثالثاً يرجع إلى ما نجم من الأرض، فجميعه آية واحدة تابعة لخلق الأرض وما تحتويه ‏(‏أي وهو كله ذو حالة واحدة وهي حالة النبات في الأرض في الأول وحالة واحدة وهي حالة الذرء في التناسل في الحيوان في الآية الثالثة‏)‏ وأما ما ذكر في المرة الثانية فإنه راجع إلى اختلاف أحوال الشمس والقمر والكواكب، وفي كل واحد منها نظام يخصّه ودلائل تخالف دلائل غيره، فكان ما ذكر في ذلك مجموع آيات ‏(‏أي لأن بعضها أعراض كالليل والنهار وبعضها أجرام لها أنظمة مختلفة ودلالات متعددة‏)‏‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ‏(‏13‏)‏‏}‏

عطف على ‏{‏الليل والنهار‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 12‏]‏، أي وسخّر لكم ما ذرأ لكم في الأرض‏.‏ وهو دليل على دقيق الصّنع والحكمة لقوله تعالى‏:‏ مختلفاً ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون‏}‏‏.‏ وأومئ إلى ما فيه من منّة بقوله ‏{‏لكم‏}‏‏.‏

والذرء‏:‏ الخلق بالتناسل والتوّلد بالحمل والتفريخ، فليس الإنبات ذرءاً، وهو شامل للأنعام والكراع ‏(‏وقد مضت المنّة به‏)‏ ولغيرها مثل كلاب الصيد والحراسة، وجوارح الصيد، والطيور، والوحوش المأكولة، ومن الشجر والنبات‏.‏

وزيد هنا وصف اختلاف ألوانه وهو زيادة للتعجيب ولا دخل له في الامتنان، فهو كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل‏}‏ في سورة الرعد ‏(‏4‏)‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه‏}‏ في سورة فاطر ‏(‏27‏)‏‏.‏ وبذلك صار هذا آية مستقلة فلذلك ذيّله بجملة ‏{‏إن في ذلك لآية لقوم يذكرون‏}‏، ولكون محل الاستدلال هو اختلاف الألوان مع اتّحاد أصل الذرء أفردت الآية في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن في ذلك لآية‏}‏‏.‏

والألوان‏:‏ جمع لون‏.‏ وهو كيفية لسطوح الأجسام مدركة بالبصر تنشأ من امتزاج بعض العناصر بالسطح بأصل الخلقة أو بصبغها بعنصر ذي لون معروف‏.‏ وتنشأ من اختلاط عنصرين فأكثر ألوانٌ غير متناهية‏.‏ وقد تقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قالوا ادع لنا ربك يبيّن لنا ما لونها‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏69‏)‏‏.‏

ونيط الاستدلال باختلاف الألوان بوصف التذكّر لأنه استدلال يحصل بمجرّد تذكّر الألوان المختلفة إذ هي مشهورة‏.‏

وإقحام لفظ ‏(‏قوم‏)‏ وكون الجملة تذييلاً تقدم آنفاً‏.‏

وأبدى الفخر في درة التنزيل‏}‏ وجهاً لاختلاف الأوصاف في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لقوم يتفكرون‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 11‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لقوم يعقلون‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 12‏]‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لقوم يذكرون‏}‏‏:‏ بأن ذلك لمراعاة اختلاف شدّة الحاجة إلى قوة التأمل بدلالة المخلوقات الناجمة عن الأرض يحتاج إلى التفكر، وهو إعمال النظر المؤدي إلى العلم‏.‏ ودلالة ما ذرأه في الأرض من الحيوان محتاجة إلى مزيد تأمّل في التفكير للاستدلال على اختلاف أحوالها وتناسلها وفوائدها، فكانت بحاجة إلى التذكّر، وهو التفكّر مع تذكّر أجناسها واختلاف خصائصها‏.‏ وأما دلالة تسخير الليل والنهار والعوالم العلوية فلأنها أدقّ وأحوج إلى التعمّق‏.‏ عبر عن المستدلّين عليها بأنهم يعقلون، والتعقّل هو أعلى أحوال الاستدلال ا ه‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

القول في هذا الاستدلال وإدماج الامتنان فيه كالقول فيما سبق‏.‏

وتقدّم الكلام على تسخير الفلك في البحر وتسخير الأنهار في أثناء سورة إبراهيم‏.‏

ومن تسخير البحر خلقه على هيئة يمكن معها السبح والسير بالفلك، وتمكين السابحين والماخرين من صيد الحيتان المخلوقة فيه والمسخّرة لحيل الصائدين‏.‏ وزيد في الامتنان أن لحم صيده طريّ‏.‏

و ‏(‏مِن‏)‏ ابتدائية، أي تأكلوا لحماً طريّاً صادراً من البحر‏.‏

والطريّ‏:‏ ضد اليابس‏.‏ والمصدر‏:‏ الطراوة‏.‏ وفعله‏:‏ طَرو، بوزن خَشُن‏.‏

والحلية‏:‏ ما يتحلّى به الناس، أي يتزينون‏.‏ وتقدم في قوله تعالى ‏{‏ابتغاء حلية‏}‏ في سورة الرعد ‏(‏17‏)‏‏.‏ وذلك اللؤلؤ والمَرجان؛ فاللؤلؤ يوجد في بعض البحار مثل الخليج الفارسي، والمرجان يوجد في جميع البحار ويكثر ويقلّ‏.‏ وسيأتي الكلام على اللؤلؤ في سورة الحجّ، وفي سورة الرحمان‏.‏ ويأتي الكلام على المَرجان في سورة الرحمن‏.‏

والاستخراج‏:‏ كثرة الإخراج، فالسين والتاء للتأكيد مثل‏:‏ استجاب لمعنى أجاب‏.‏

واللبس‏:‏ جعل الثوب والعمامة والمصوغ على الجسد‏.‏ يقال‏:‏ لبس التاج، ولبس الخاتم، ولبس القميص‏.‏ وتقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قد أنزلنا عليكم لباسا‏}‏ في سورة الأعراف ‏(‏26‏)‏‏.‏

وإسناد لباس الحلية إلى ضمير جمع الذكور تغليب، وإلا فإن غالب الحلية يلبسها النساء عدا الخواتيم وحلية السيوف‏.‏

وجملة وترى الفلك مواخر فيه‏}‏ معترضة بين الجمل المتعاطفة مع إمكان العطف لقصد مخالفة الأسلوب للتعجيب من تسخير السير في البحر باستحضار الحالة العجيبة بواسطة فعل الرؤية‏.‏ وهو يستعمل في التعجيب كثيراً بصيغ كثيرة نحو‏:‏ ولو ترى، وأرأيت، وماذا تَرى‏.‏ واجتلاب فعل الرؤية في أمثاله يفيد الحثّ على معرفة ذلك‏.‏ فهذا النظم للكلام لإفادة هذا المعنى ولولاها لكان الكلام هكذا‏:‏ وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وتبتغوا من فضله في فُلْككٍ مواخرَ‏.‏

وعطف ‏{‏ولتبتغوا‏}‏ على ‏{‏وتستخرجوا‏}‏ ليكون من جملة النّعم التي نشأت عن حكمة تسخير البحر‏.‏ ولم يجعل علة لمخر الفلك كما جعل في سورة فاطر ‏(‏12‏)‏ ‏{‏وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله‏}‏ لأن تلك لم تصدر بمنّة تسخير البحر بل جاءت في غرض آخر‏.‏

وأعيد حرف التعليل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولتبتغوا من فضله‏}‏ لأجل البعد بسبب الجملة المعترضة‏.‏

والابتغاء من فضل الله‏:‏ التجارة كما عبّر عنها بذلك في قوله تعالى ‏{‏ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏198‏)‏‏.‏

وعطف ‏{‏ولعلكم تشكرون‏}‏ على بقية العلل لأنه من الحكم التي سخّر الله بها البحر للناس حملاً لهم على الاعتراف لله بالعبودية ونبذهم إشراك غير ربّه فيها‏.‏ وهو تعريض بالذين أشركوا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 16‏]‏

‏{‏وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ‏(‏15‏)‏ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ‏(‏16‏)‏‏}‏

انتقال إلى الاستدلال والامتنان بما على سطح الأرض من المخلوقات العظيمة التي في وجودها لطف بالإنسان‏.‏ وهذه المخلوقات لما كانت مجعولة كالتكملة للأرض وموضوعة على ظاهر سطحها عبّر عن خلقها ووضعها بالإلقاء الذي هو رمي شيء على الأرض‏.‏ ولعلّ خلقها كان متأخراً عن خلق الأرض، إذ لعلّ الجبال انبثقت باضطرابات أرضيّة كالزلزال العظيم ثم حدثت الأنهار بتهاطل الأمطار‏.‏ وأما السبل والعلامات فتأخّر وجودها ظاهر، فصار خلق هذه الأربعة شبيهاً بإلقاء شيء في شيء بعد تمامه‏.‏

ولعل أصل تكوين الجبال كان من شظايا رمت بها الكواكب فصادفت سطح الأرض، كما أن الأمطار تهاطلت فكوّنت الأنهار؛ فيكون تشبيه حصول هذين بالإلقاء بيّناً‏.‏ وإطلاقه على وضع السبل والعلامات تغليب‏.‏ ومن إطلاق الإلقاء على الإعطاء ونحوه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ءألقي الذكر عليه من بيننا‏}‏ ‏[‏سورة القمر‏:‏ 25‏]‏‏.‏

و ‏{‏رواسي‏}‏ جمع راس‏.‏ وهو وصف من الرسْو بفتح الراء وسكون السين‏.‏ ويقال بضم الراء والسين مشددة وتشديد الواو‏.‏ وهو الثبات والتمكن في المكان، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وقدور راسيات‏}‏ ‏[‏سورة سبأ‏:‏ 13‏]‏‏.‏

ويطلق على الجبل راس بمنزلة الوصف الغالب‏.‏ وجمعه على زنة فواعل على خلاف القياس‏.‏ وهو من النوادر مثل عَواذل وفوارس‏.‏ وتقدم بعض الكلام عليه في أول الرعد‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ أن تميد بكم‏}‏ تعليل لإلقاء الرواسي في الأرض‏.‏ والمَيْد‏:‏ الاضطراب‏.‏ وضمير ‏{‏تميد‏}‏ عائد إلى ‏{‏الأرض‏}‏ بقرينة قرنه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بكم‏}‏، لأن الميد إذا عُدّي بالباء علم أن المجرور بالباء هو الشيء المستقرّ في الظرف المَائد، والاضطراب يعطّل مصالح الناس ويلحق بهم آلاماً‏.‏

ولما كان المقام مقام امتنان علم أن المعلل به هو انتفاء الميد لا وقوعُه‏.‏ فالكلام جار على حذففٍ تقتضيه القرينة، ومثله كثير في القرآن وكلام العرب، قال عمرو بن كلثوم‏:‏

فعجّلنا القِرى أن تشتمونا *** أراد أن لا تشتمونا‏.‏ فالعلّة هِي انتفاء الشتم لا وقوعه‏.‏ ونحاة الكوفة يخرجون أمثال ذلك على حذف حرف النّفي بعد ‏{‏أنْ‏}‏‏.‏ والتقدير‏:‏ لأن لا تميد بكم ولئلا تشتمونا، وهو الظاهر‏.‏ ونحاة البصرة يخرجون مثله على حذف مضاف بين الفعل المعلل و‏{‏أنْ‏}‏‏.‏ تقديره‏:‏ كراهيّة أن تميد بكم‏.‏

وهذا المعنى الذي أشارت إليه الآية معنى غامض‏.‏ ولعلّ الله جعَل نتوء الجبال على سطح الأرض معدّلاً لكرويتها بحيث لا تكون بحدّ من الملاسة يخفّف حركتها في الفضاء تخفيفاً يوجب شدّة اضطرابها‏.‏

ونعمة الأنهار عظيمة، فإن منها شرابهم وسقي حرثهم، وفيها تجري سفنهم لأسفارهم‏.‏

ولهذه المنّة الأخيرة عطف عليها ‏{‏وسبلاً‏}‏ جمع سبيل‏.‏ وهو الطريق الذي يسافر فيه براً‏.‏

وجملة ‏{‏لعلكم تهتدون‏}‏ معترضة، أي رجاء اهتدائكم‏.‏ وهو كلام موجه يصلح للاهتداء إلى المقاصد في الأسفار من رسم الطرق وإقامة المراسي على الأنهار واعتبار المسافات‏.‏

وكل ذلك من جعل الله تعالى لأن ذلك حاصل بإلهامه‏.‏ ويصلح للاهتداء إلى الدّين الحقّ وهو دين التوحيد، لأن في تلك الأشياء دلالة على الخالق المتوحّد بالخلق‏.‏

والعلامات‏:‏ الأمارات التي ألهم الله الناس أن يضعوها أو يتعارفوها لتكون دلالة على المسافات والمسالك المأمونة في البرّ والبحر فتتبعها السابلة‏.‏

وجملة ‏{‏وبالنجم هم يهتدون‏}‏ معطوفة على جملة ‏{‏وألقى في الأرض رواسي‏}‏، لأنها في معنى‏:‏ وهداكم بالنجم فأنتم تهتدون به‏.‏ وهذه منّة بالاهتداء في الليل لأن السبيل والعلامات إنما تهدي في النهار، وقد يضطرّ السالك إلى السير ليلاً؛ فمواقع النجوم علامات لاهتداء الناس السائرين ليلاً تعرف بها السموات، وأخصّ من يهتدي بها البحّارة لأنهم لا يستطيعون الإرساء في كل ليلة فهم مضطرّون إلى السير ليلاً، وهي هداية عظيمة في وقت ارتباك الطريق على السائر، ولذلك قدم المتعلق في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وبالنجم‏}‏ تقديماً يفيد الاهتمام، وكذلك بالمسند الفعلي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هم يهتدون‏}‏‏.‏

وعدل عن الخطاب إلى الغيبة التفاتاً يومئ إلى فريق خاص وهم السيّارة والملاّحون فإن هدايتهم بهذه النجوم لا غير‏.‏

والتعريف في «النجم» تعريف الجنس‏.‏ والمقصود منه النجوم التي تعارفها الناس للاهتداء بها مثل القطب‏.‏ وتقدم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها‏}‏ في ‏[‏سورة الأنعام‏:‏ 97‏]‏‏.‏

وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله تعالى ‏{‏هم يهتدون‏}‏ لمجرّد تقوي الحكم، إذ لا يسمح المقام بقصد القصر وإن تكلّفه في «الكشاف»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 18‏]‏

‏{‏أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏17‏)‏ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏18‏)‏‏}‏

بعد أن أقيمت الدلائل على انفراد الله بالخلق ابتداء من قوله تعالى ‏{‏خلق السماوات والأرض بالحق‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 3‏]‏ وثبتت المنّة وحقّ الشّكر، فرع على ذلك هاتان الجملتان لتكونا كالنتيجتين للأدلّة السابقة إنكاراً على المشركين‏.‏ فالاستفهام عن المساواة إنكاري، أي لا يستوي من يخلق بمن لا يخلق‏.‏ فالكاف للمماثلة، وهي مورد الإنكار حيث جعلوا الأصنام آلهة شريكة لله تعالى‏.‏ ومن مضمون الصّلتين يعرف أي الموصولين أولى بالإلهية فيظهر مورد الإنكار‏.‏

وحين كان المراد بمن لا يخلق الأصنام كان إطلاق من الغالبة في العاقل مشاكلة لقوله ‏{‏أفمن يخلق‏}‏‏.‏

وفرع على إنكار التسوية استفهامٌ عن عدم التذكّر في انتفائها‏.‏ فالاستفهام في قوله‏:‏ ‏{‏أفلا تذكرون‏}‏ مستعمل في الإنكار على انتفاء التذكر، وذلك يختلف باختلاف المخاطبين، فهو إنكار على إعراض المشركين عن التذكر في ذلك‏.‏

جملة ‏{‏وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها‏}‏ عطف على جملة ‏{‏أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون‏}‏‏.‏ وهي كالتكملة لها لأنها نتيجة لما تضمنّته تلك الأدلّة من الامتنان كما تقدم‏.‏ وهي بمنزلة التذييل للامتنان لأن فيها عموماً يشمل النعم المذكورة وغيرها‏.‏

وهذا كلام جامع للتنبيه على وفرة نعم الله تعالى على الناس بحيث لا يستطيع عدّها العادّون، وإذا كانت كذلك فقد حصل التّنبيه إلى كثرتها بمعرفة أصولها وما يحويها من العوالم‏.‏

وفي هذا إيماء إلى الاستكثار من الشكر على مجمل النعم، وتعريض بفظاعة كفر من كفروا بهذا المنعم، وتغليظ التهديد لهم‏.‏ وتقدم نظيرها في سورة إبراهيم‏.‏

وجملة ‏{‏إن الله لغفور رحيم‏}‏ استئناف عُقب به تغليظ الكفر والتّهديد عليه تنبيهاً على تمكّنهم من تدارك أمرهم بأن يقلعوا عن الشرك، ويتأهبوا للشكر بما يطيقون، على عادة القرآن من تعقيب الزواجر بالرغائب كيلا يقنط المسرفون‏.‏

وقد خولف بين ختام هذه الآية وختام آية سورة إبراهيم، إذ وقع هنالك ‏{‏وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار‏}‏ ‏[‏سورة إبراهيم‏:‏ 34‏]‏ لأن تلك جاءت في سياق وعيد وتهديدٍ عقب قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمة الله كفرا‏}‏ ‏[‏سورة إبراهيم‏:‏ 28‏]‏ فكان المناسب لها تسجيل ظلمهم وكفرهم بنعمة الله‏.‏

وأما هذه الآية فقد جاءت خطاباً للفريقين كما كانت النّعم المعدودة عليهم منتفعاً بها كلاهما‏.‏

ثم كان من اللطائف أن قوبل الوصفان اللذان في آية سورة إبراهيم لظلوم كفار‏}‏ بوصفين هنا ‏{‏لغفور رحيم‏}‏ إشارة إلى أن تلك النّعم كانت سبباً لظلم الإنسان وكفره وهي سبب لغفران الله ورحمته‏.‏ والأمر في ذلك منوط بعمل الإنسان‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ‏(‏19‏)‏‏}‏

عطف على جملة ‏{‏أفمن يخلق كمن لا يخلق‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 17‏]‏‏.‏ فبعد أن أُثبت أن الله منفرد بصفة الخلق دون غيره بالأدلّة العديدة ثم باستنتاج ذلك بقوله‏:‏ أفمن يخلق كمن لا يخلق‏}‏ انتُقل هنا إلى إثبات أنه منفرد بعموم العلم‏.‏

ولم يقدم لهذا الخبر استدلال ولا عقّب بالدّليل لأنه مما دلّت عليه أدلّة الانفراد بالخلق، لأن خالق أجزاء الإنسان الظاهرة والباطنة يجب له أن يكون عالماً بدقائق حركات تلك الأجزاء وهي بين ظاهر وخفيّ، فلذلك قال‏:‏ ‏{‏والله يعلم ما تسرون وما تعلنون‏}‏‏.‏

والمخاطب هنا هم المخاطبون بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفلا تذكرون‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 17‏]‏‏.‏ وفيه تعريض بالتهديد والوعيد بأن الله محاسبهم على كفرهم‏.‏

وفيه إعلام بأن أصنامهم بخلاف ذلك كما دلّ عليه تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي فإنه يفيد القصر لردّ دعوى الشركة‏.‏

وقرأ حفص ما يسرون وما يعلنون‏}‏ بالتحتية فيهما، وهو التفات من الخطاب إلى الغيبة‏.‏ وعلى قراءته تكون الجملة أظهر في التهديد منها في قصد التعليم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 21‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ‏(‏20‏)‏ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ‏(‏21‏)‏‏}‏

عطف على جملة ‏{‏أفمن يخلق كمن لا يخلق‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 17‏]‏ وجملة ‏{‏والله يعلم ما تسرون‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 19‏]‏‏.‏

وما صدْق ‏{‏الذين‏}‏ الأصنامُ‏.‏ وظاهر أن الخطاب هنا متمحّض للمشركين وهم بعض المخاطبين في الضمائر السابقة‏.‏

والمقصود من هذه الجملة التصريح بما استفيد ضمناً مما قبلها وهو نفي الخالقية ونفي العلم عن الأصنام‏.‏

فالخبر الأول وهو جملة ‏{‏لا يخلقون شيئاً‏}‏ استفيد من جملة ‏{‏أفمن يخلق كمن لا يخلق‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 17‏]‏ وعطف وهم يخلقون‏}‏ ارتقاء في الاستدلال على انتفاء إلهيتها‏.‏

والخبر الثاني وهو جملة ‏{‏أموات غير أحياء‏}‏ تصريح بما استفيد من جملة ‏{‏والله يعلم ما تسرون وما تعلنون‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 19‏]‏ بطريقة نفي الشيء بنفي ملزومه‏.‏ وهي طريقة الكناية التي هي كذكر الشيء بدليله‏.‏ فنفي الحياة عن الأصنام في قوله‏:‏ ‏{‏غير أحياء‏}‏ يستلزم نفي العلم عنها لأن الحياة شرط في قبول العلم، ولأن نفي أن يكونوا يعلمون ما هو من أحوالهم يستلزم انتفاء أن يعلموا أحوال غيرهم بدلالة فحوى الخطاب، ومن كان هكذا فهو غير إله‏.‏

وأسند ‏{‏يخلقون‏}‏ إلى النائب لظهور الفاعل من المقام، أي وهم مخلوقون لله تعالى، فإنهم من الحجارة التي هي من خلق الله، ولا يخرجها نحت البشر إيّاها على صور وأشكال عن كون الأصل مخلوقاً لله تعالى‏.‏ كما قال تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام قوله‏:‏ ‏{‏والله خلقكم وما تعملون‏}‏ ‏[‏سورة الصافات‏:‏ 96‏]‏‏.‏

وجملة غير أحياء‏}‏ تأكيد لمضمون جملة ‏{‏أموات‏}‏، للدلالة على عراقة وصف الموت فيهم بأنه ليس فيه شائبة حياة لأنهم حجارة‏.‏

ووصفت الحجارة بالموت باعتبار كون الموتتِ عدم الحياة‏.‏ ولا يشترط في الوصف بأسماء الأعدام قبولُ الموصوفات بها لملكاتها، كما اصطلح عليه الحكماء، لأن ذلك اصطلاح منطقي دعا إليه تنظيم أصول المحاجة‏.‏

وقرأ عاصم ويعقوب ‏{‏يدعون‏}‏ بالتحتية‏.‏ وفيها زيادة تبيين لصرف الخطاب إلى المشركين في قراءة الجمهور‏.‏

وجملة ‏{‏وما يشعرون أيان يبعثون‏}‏ إدماج لإثبات البعث عقب الكلام على إثبات الوحدانية لله تعالى، لأن هذين هما أصل إبطال عقيدة المشركين، وتمهيدٌ لوجه التلازم بين إنكار البعث وبين إنكار التوحيد في قوله تعالى ‏{‏فالذين لا يؤمنون بالأخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 22‏]‏‏.‏ ولذلك فالظاهر أن ضميري يشعرون‏}‏ و‏{‏يبعثون‏}‏ عائدان إلى الكفّار على طريق الالتفات في قراءة الجمهور، وعلى تناسق الضمائر في قراءة عاصم ويعقوب‏.‏

والمقصود من نفي شعورهم بالبعث تهديدهم بأن البعث الذي أنكروه واقع وأنهم لا يدرون متى يبغتهم، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لا تأتيكم إلا بغتة‏}‏ ‏[‏سورة الأعراف‏:‏ 187‏]‏‏.‏

والبعث‏:‏ حقيقته الإرسال من مكان إلى آخر‏.‏ ويطلق على إثارة الجاثم‏.‏ ومنه قولهم‏:‏ بعثتُ البعير، إذا أثرته من مَبركه‏.‏ ولعلّه من إطلاق اسم الشيء على سببه‏.‏ وقد غلب البعث في اصطلاح القرآن على إحضار الناس إلى الحساب بعد الموت‏.‏ فمن كان منهم ميتاً فبعثه من جدثه، ومن كان منهم حياً فصادفته ساعة انتهاء الدنيا فمات ساعتئذٍ فبعثُه هو إحياؤه عقب الموت، وبذلك لا يعكر إسناد نفي الشعور بوقت البعث عن الكفّار الأحياء المهدّدين‏.‏ ولا يستقيم أن يكون ضمير ‏{‏يشعرون‏}‏ عائداً إلى ‏{‏الذين تدعون‏}‏، أي الأصنام‏.‏

و ‏{‏أيان‏}‏ اسم استفهام عن الزمان‏.‏ مركبة من ‏(‏أي‏)‏ و‏(‏آن‏)‏ بمعنى أي زمن، وهي معلقة لفعل ‏{‏يشعرون‏}‏ عن العمل بالاستفهام، والمعنى‏:‏ وما يشعرون بزمن بعثهم‏.‏ وتقدم ‏{‏أيان‏}‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الساعة أيّان مرساها‏}‏ في سورة الأعراف ‏(‏187‏)‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 23‏]‏

‏{‏إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ‏(‏22‏)‏ لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ‏(‏23‏)‏‏}‏

استئناف نتيجةً لحاصل المحاجّة الماضية، أي قد ثبت بما تقدّم إبطال إلهية غير الله، فثبت أن لكم إلهاً واحداً لا شريك له، ولكون ما مضى كافياً في إبطال إنكارهم الوحدانية عُرّيت الجملة عن المؤكّد تنزيلاً لحال المشركين بعدما سمعوا من الأدلّة منزلة من لا يظن به أنه يتردّد في ذلك بخلاف قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن إلهكم إله واحد‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏163‏)‏ خطاب لأهل الكتاب‏.‏

وتفرّع عليه الإخبار بجملة فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة‏}‏، وهو تفريع الأخبار عن الأخبار، أي يتفرّع على هذه القضية القاطعة بما تقدّم من الدّلائل أنكم قلوبكم منكرة وأنتم مستكبرون وأن ذلك ناشئ عن عدم إيمانكم بالآخرة‏.‏

والتعبير عن المشركين بالموصول وصلته «الذين لا يؤمنون بالآخرة» لأنهم قد عُرفوا بمضمون الصّلة واشتهروا بها اشتهارَ لمز وتنقيص عند المؤمنين، كقوله‏:‏ ‏{‏وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا‏}‏ ‏[‏سورة الفرقان‏:‏ 21‏]‏، وللإيماء إلى أن لهذه الصّلة ارتباطاً باستمرارهم على العناد، لأن انتفاء إيمانهم بالبعث والحساب قد جرّأهم على نبذ دعوة الإسلام ظهرياً فلم يتوقعوا مؤاخذة على نبذها، على تقدير أنها حقّ فينظروا في دلائل أحقّيتها مع أنهم يؤمنون بالله ولكنّهم لا يؤمنون بأنه أعدّ للناس يوم جزاء على أعمالهم‏.‏

ومعنى قلوبهم منكرة‏}‏ جاحدة بما هو واقع‏.‏ استعمل الإنكار في جحد الأمر الواقع لأنه ضدّ الإقرار‏.‏ فحذف متعلق ‏{‏منكرة‏}‏ لدلالة المقام عليه، أي منكرة للوحدانية‏.‏

وعبر بالجملة الاسمية ‏{‏قلوبهم منكرة‏}‏ للدلالة على أن الإنكار ثابت لهم دائم لاستمرارهم على الإنكار بعد ما تبين من الأدلّة‏.‏ وذلك يفيد أن الإنكار صار لهم سجيّة وتمكّن من نفوسهم لأنهم ضروا به من حيث إنهم لا يؤمنون بالآخرة فاعتادوا عدم التبصّر في العواقب‏.‏

وكذلك جملة ‏{‏وهم مستكبرون‏}‏ بنيت على الاسمية للدّلالة على تمكّن الاستكبار منهم‏.‏ وقد خولف ذلك في آية سورة الفرقان ‏(‏21‏)‏ ‏{‏لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتواً كبيراً‏}‏ لأن تلك الآية لم تتقدّمها دلائل على الوحدانية مثل الدلائل المذكورة في هذه الآية‏.‏

وجملة لا جرم أن الله يعلم‏}‏ معترضة بين الجملتين المتعاطفتين‏.‏

والجَرم بالتحريك‏:‏ أصلهُ البُدُّ‏.‏ وكثر في الاستعمال حتى صار بمعنى حَقّاً‏.‏ وقد تقدّم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون‏}‏ في سورة هود ‏(‏22‏)‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏أن الله يعلم‏}‏ في موضع جرّ بحرف جرّ محذوف متعلق ب ‏{‏جَرَم‏}‏‏.‏ وخبر ‏{‏لا‏}‏ النافية محذوف لظهوره، إذ التقدير‏:‏ لا جرم موجودٌ‏.‏ وحذْف الخبر في مثله كثير‏.‏ والتقدير‏:‏ لا جرم في أن الله يعلم أو لا جرم من أنه يعلم، أي لا بدّ من أنه يعلم، أي لا بدّ من علمه، أي لا شكّ في ذلك‏.‏

وجملة ‏{‏أن الله يعلم‏}‏ خبر مستعمل كناية عن الوعيد بالمؤاخذة بما يخفون وما يظهرون من الإنكار والاستكبار وغيرهما بالمُؤاخذة بما يخفون وما يظهرون من الإنكار والاستكبار وغيرهما مؤاخذةَ عقاب وانتقام، فلذلك عقب بجملة ‏{‏إنه لا يحب المستكبرين‏}‏ الواقعةِ موقع التعليل والتذييل لها، لأن الذي لا يحب فعلاً وهو قادرٌ يجازي فاعله بالسّوء‏.‏

والتعريف في ‏{‏المستكبرين‏}‏ للاستغراق، لأن شأن التذييل العموم‏.‏ ويشمل هؤلاء المتحدّث عنهم فيكون إثبات العقاب لهم كإثبات الشيء بدليله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏24- 25‏]‏

‏{‏وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏24‏)‏ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ‏(‏25‏)‏‏}‏

و ‏{‏إذا قيل لهم‏}‏ عطف على جملة ‏{‏قلوبهم منكرة‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 22‏]‏، لأن مضمون هذه من أحوالهم المتقدم بعضُها، فإنه ذُكر استكبارهم وإنكارهم الوحدانية، وأتبع بمعاذيرهم الباطلة لإنكار نبوءة محمد وبصدّهم الناس عن اتّباع الإسلام‏.‏ والتقدير‏:‏ قلوبهم منكرة ومستكبرة فلا يعترفون بالنبوءة ولا يخلّون بينك وبين من يتطلب الهدى، مضلّون للناس صادّونهم عن الإسلام‏.‏

وذكر فعل القول يقتضي صدوره عن قائل يسألهم عن أمر حدث بينهم وليس على سبيل الفرض، وأنهم يجيبون بما ذكر مكراً بالدين وتظاهراً بمظهر الناصحين للمسترشدين المستنصحين بقرينة قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم‏}‏ ‏[‏سورة النحل‏:‏ 25‏]‏‏.‏

و ‏{‏إذا‏}‏ ظرف مضمّن معنى الشّرط‏.‏ وهذا الشّرط يؤذن بتكرّر هذين القولين‏.‏ وقد ذكر المفسرون أن قريشاً لما أهمّهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم ورأوا تأثير القرآن في نفوس الناس، وأخذ أتباع الإسلام يكثرون، وصار الواردون إلى مكّة في موسم الحجّ وغيره يسألون الناس عن هذا القرآن، وماذا يدعو إليه، دبّر لهم الوليد بن المغيرة معاذير واختلاقاً يختلقونه ليقنعوا السّائلين به، فندب منهم ستة عشر رجلاً بعثهم أيام الموسم يقعدون في عقبات مكّة وطرقها التي يرد منها الناس، يقولون لمن سألهم‏:‏ لا تغترّوا بهذا الذي يدّعي أنه نبيّ فإنه مجنون أو ساحر أو شاعر أو كاهن، وأن الكلام الذي يقوله أساطير من أساطير الأولين اكتتبها‏.‏ وقد تقدم ذلك في آخر سورة الحِجر‏.‏ وكان النضر بن الحارث يقول‏:‏ أنا أقرأ عليكم ما هو أجمل من حديث محمد أحاديثَ رُسْتُمَ وإِسْفَنْدِيَارَ‏.‏ وقد تقدّم ذكره عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏93‏)‏‏.‏

ومساءلة العرب عن بعث النبي كثيرة واقعة‏.‏ وأصرحها ما رواه البخاري عن أبي ذرّ أنه قال‏:‏ كنت رجلاً من غفار فبلَغَنَا أْن رجلاً قد خرج بمكّة يزعم أنه نبيء، فقلت لأخِي أُنَيْسٍ‏:‏ انطلقْ إلى هذا الرجل كلّمْه وائتني بخبره، فانطَلَق فلقيَه ثم رجع، فقلتُ‏:‏ ما عندك‏؟‏ فقال‏:‏ والله لقد رأيتُ رجلاً يأمر بالخير وينهى عن الشرّ‏.‏ فقلتُ‏:‏ لم تشفني من الخبر، فأخذتُ جراباً وعصاً ثم أقبلت إلى مكّة فجعلت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه، وأشربُ من ماء زمزم وأكون في المسجد‏.‏‏.‏‏.‏ إلى آخر الحديث‏.‏

وسؤال السّائلين لطلب الخبر عن المنزل من الله يدلّ على أن سؤالهم سؤال مسترشد عن دعوى بلغتهم وشاع خبرها في بلاد العرب، وأنهم سألوا عن حسن طويّة، ويصُوغون السؤال عن الخبر كما بلغتهم دعوتُه‏.‏

وأما الجواب فهو جوابٌ بليغ تضمّن بيان نوع هذا الكلام، وإبطال أن يكون منزلاً من عند الله لأن أساطير الأولين معروفة والمنزّل من عند الله شأنه أن يكون غير معروف من قبل‏.‏

و ‏{‏ماذا‏}‏ كلمة مركبة من ‏(‏ما‏)‏ الاستفهامية واسم الإشارة، ويقع بعدها فعل هو صلة لموصول محذوف ناب عنه اسم الإشارة‏.‏ والمعنى‏:‏ ما هذا الذي أنزل‏.‏

و ‏(‏ما‏)‏ يستفهم بها عن بيان الجنس ونحوه‏.‏ وموضعها أنها خبر مقدّم‏.‏ وموضع اسم الإشارة الابتداءُ‏.‏ والتقدير‏:‏ هذا الذي أنزل ربكم ما هو‏.‏ وقد تسامح النحويون فقالوا‏:‏ إن ‏(‏ذا‏)‏ من قولهم ‏(‏ماذا‏)‏ صارت اسم موصول‏.‏ وتقدم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يسألونك ماذا ينفقون‏}‏ في سورة البقرة ‏(‏215‏)‏‏.‏

‏{‏وأساطير الأولين‏}‏ خبر مبتدأ محذوف دلّ عليه ما في السؤال‏.‏ والتقدير‏:‏ هو أساطير الأوّلين، أي المسؤول عنه أساطير الأوّلين‏.‏

ويعلم من ذلك أنه ليس منزّلاً من ربهم لأن أساطير الأوّلين لا تكون منزّلة من الله كما قلناه آنفاً‏.‏ ولذلك لم يقع ‏{‏أساطير الأولين‏}‏ منصوباً لأنه لو نصب لاقتضى التقدير‏:‏ أنزل أساطير الأولين، وهو كلام متناقض‏.‏ لأن أساطير الأولين السابقة لا تكون الذي أنزل الله الآن‏.‏

والأساطير‏:‏ جمع أسطار الذي هو جمع سطر‏.‏ فأساطير جمع الجمع‏.‏ وقال المبرّد‏:‏ جمع أسطورة بضم الهمزة كأرجوحة‏.‏ وهي مؤنثة باعتبار أنها قصة مكتوبة‏.‏ وهذا الذي ذكره المبرّد أولى لأنها أساطير في الأكثر يعني بها القصص لا كل كتاب مسطور‏.‏ وقد تقدّم عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأوّلين‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏25‏)‏‏.‏

واللاّم في ‏{‏ليحملوا أوزارهم‏}‏ تعليل لفعل ‏{‏قالوا‏}‏، وهي غاية وليست بعلّة لأنّهم لما قالوا ‏{‏أساطير الأولين‏}‏ لم يريدوا أن يكون قولهم سبباً لأن يحملوا أوزار الّذين يضلّونهم، فاللام مستعملة مجازاً في العاقبة مثل ‏{‏فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً‏}‏ ‏[‏سورة القصص‏:‏ 8‏]‏‏.‏

والتقدير‏:‏ قالوا ذلك القول كحال من يُغرى على ما يجر إليه زيادة الضرّ إذ حملوا بذلك أوزار الذين يُضلونهم زيادة على أوزارهم‏.‏

والأوزار‏:‏ حقيقتها الأثقال، جمع وزر بكسر الواو وسكون الزاي وهو الثّقل‏.‏ واستعمل في الجُرم والذنب، لأنّه يُثقل فاعله عن الخلاص من الألم والعناء، فأصل ذلك استعارة بتشبيه الجرم والذّنب بالوزر‏.‏ وشاعت هذه الاستعارة، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم‏}‏ في سورة الأنعام ‏(‏31‏)‏‏.‏ كما يعبّر عن الذنوب بالأثقال، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم‏}‏ ‏[‏سورة العنكبوت‏:‏ 13‏]‏‏.‏

وحَمْل الأوزار تمثيل لحالة وقوعهم في تبعات جرائمهم بحالة حامل الثقل لا يستطيع تفصّياً منه، فلما شُبّه الإثم بالثقل فأطلق عليه الوِزر شبه التّورط في تبعاته بحمل الثّقل على طريقة التخييلية، وحصل من الاستعارتين المفرقتين استعارة تمثيلية للهيئة كلها‏.‏ وهذا من أبدع التمثيل أن تكون الاستعارة التمثيلية صالحة للتفريق إلى عدّة تشابيه أو استعارات‏.‏

وإضافة الأوزار إلى ضمير هم لأنّهم مصدرها‏.‏

ووصفت الأوزار ب ‏{‏كاملة‏}‏ تحقيقاً لوفائها وشدّة ثقلها ليسري ذلك إلى شدّة ارتباكهم في تبعاتها إذ هو المقصود من إضافة الحمل إلى الأوزار‏.‏

و ‏{‏مِنْ‏}‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن أوزار الذين يضلونهم‏}‏ للسببية متعلقة بفعل محذوف دلّ عليْه حرف العطف وحرْف الجَر بعدَه إذ لا بدّ لحرف الجر من متعلّق‏.‏

وتقديره‏:‏ ويحملوا‏.‏ ومفعول الفعل محذوف دلّ عليْه مفعول نظيره‏.‏ والتّقدير‏:‏ ويحملوا أوزاراً ناشئة عن أوزار الّذين يُضلونهم، أي ناشئة لهم عن تسبّبهم في ضلال المضلّلين بفتح اللاّم، فإنّ تسببهم في الضلال يقتضي مساواة المضلّل للضّال في جريمة الضّلال، إذ لولا إضلاله إياه لاهتدى بنظره أو بسؤال الناصحين‏.‏ وفي الحديث الصّحيح «ومَن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً»‏.‏ و‏{‏بغير علم‏}‏ في موضع الحال من ضمير النصب في ‏{‏يضلونهم‏}‏، أي يضلّون ناساً غير عالمين يحسبون إضلالهم نصحاً‏.‏ والمقصود من هذا الحال تفظيع التضليل لا تقييده فإن التضليل لا يكون إلا عن عدم علم كُلاً أو بعضاً‏.‏

وجملة ‏{‏ألا ساء ما يزرون‏}‏ تذييل‏.‏ افتتح بحرف التّنبيه اهتماماً بما تتضمّنه للتحذير من الوقوع فيه أو للإقلاع عنه‏.‏